خُش ... حتجيبك
و بعدين وقف في نص الشارع .. و رمي الفوطة اللي كان لاففها علي رقبته في شباك التاكسي اللادا المتهالك بتاعه .. و رجع رجله الشمال لورا بزاوية 45 درجة .. و طلع رجله اللمين لقدام .. و مد إيده اللمين قدام و تنا صوابعه كإنه بيستعد للقتال ..
خُش … حتجيبك .
شد إنتباهي إمبارح و أنا مطلع ثلاثة أرباع جسمي فوق سور البلكونة ( باحثاً عن شبكة محمول لإجراء بعض المكالمات المهمة ) .. تكرار الجملة الأيقونية دي ( خُش .. حتجيبك ) ..
بيقولها راجل ملامحه كلها بتوحي إني سواق تاكسي لادا متهالك ..
…
و بعدين وقف في نص الشارع .. و رمي الفوطة اللي كان لاففها علي رقبته في شباك التاكسي اللادا المتهالك بتاعه .. و رجع رجله الشمال لورا بزاوية 45 درجة .. و طلع رجله اللمين لقدام .. و مد إيده اللمين قدام و تنا صوابعه كإنه بيستعد للقتال ..
أثناء ما مد إيده الشمال ورا محذراً أي حد إنه يتدخل في اللي هو بيعمله ..
و زعق بعلو صوته ..
( خووووش .. حتجيييبااااك ) ..
..
و بعدين و كإن الزمن توقف ..
و بدأ يتذكر المهمين له في حياته و هما بيوصوه علي دهان التاكسي اللادا المتهالك ..
ضيق عينيه و نزل وشه لقدام شوية عشان يركز .. و إررتعشت شفايفه ..
و ساد الصمت الشارع ..
و سمعنا صوت الراجل مدوياً .. بيكرر نداء معركته الأسطوري ..
( خووووووووووووش … حتجيباااااااااااااااك ) ..
…
بصيت علي العربية اللي هو كان بيحاول يرشدها إنها ( تخوش عشان حتجيبه ) .. و لقيت إنها سيدة في منتصف العمر ماسكة موبايلها بإيد .. و مطلعة الإيد التانية من الشباك بتسأله ( لمين ولا شمال ؟! )
أثناء ما العربية بتتحرك 🙂
…
المشهد ده أصبح متكرر يومياً في الشارع اللي بيتي فيه .. كل يوم في أوقات معينة بيتحول لكابوس من الإزدحام و الإختناق المروري .
و السبب .. إن أصحاب البيوت اللي في الشارع ده إكتشفوا إن أسهل إستثمار ممكن يعملوه في الأدوار الأرضية .. هو تحويلها ل ( سناتر دروس خصوصية) .
…
و لكن إمبار ح .. أثناء ما بدأت أفقد الإحساس في إيدي اللي متشبثة بسور البلكونة و أنا كل جسمي تقريباً أصبح في برة البلكونة باحثاً عن شبكة فودافون اللي بقت الدُبل .
لقيت نفسي مركز مع المشهد ده .. و بافتكر ذكريات كتير ..
بافتكر أول مرة حكيت عربيتي ..
ده كان بعد شرائي لها بأسابيع قليلة .. في تاني يوم العيد ..
الساعة 2 بالليل ..
و الشارع كان فاضي بالكامل ..
و كان في عربية راكنة .. و محضّن فوق الرصيف تقريباً ..
و مع ذلك .. أثناء ما أنا بادخل الشارع ..
خدني الحنين إني أسرح في ذكرياتي في الشارع ده لما كنت باخد فيه درس فرنساوي و أنا فتانية ثانوي ..
و لقيت نفسي باحك في عربية مالهاش أى ذنب في ذكرياتي دي ..
…
نزلت و أنا نيّتي كلها إني ألقي اللوم علي العربية اللي صاحبها راكنها فوق الرصيف تقريباً ..
و لكنه ألقي نظرة علي عربيته الدايو القديمة اللي مليانة علامات من الزمن و الشوارع ..
و عربيتي الزيرو اللي لسة البراءة في فوانيسها ..
و هو اللي إعتذر ليا و قال لي ” ربنا يكون في عونها 🥹” ..
سألته بغضب ” تقصد مين ؟ ” ..
رد عليا بإبتسامة تحمل معاني كتير … ” العربية يا فندم .. أقصد العربية ” .
…
…
إرتعش الموبايل في إيدي فجأة و أنا في البلكونة لما لقط شبكة ..
فأخدت بالي إني سرحت فذكرياتي دي .. و إني قدامي فرصة ضئيلة إني أعمل المكالمة اللي عايز أعملها قبل ما الشبكة ” اللي بقت دوبل و قوية أوي ” تختفي تاني … و تروح لأستاذ عمرو دياب ..
..
فبدأت أعمل المكالمة .. و أنا بافتكر آخر كام شهر في سواقتي ..
و إزاي إني بفضل الله قدرت أسوق في أعماق أسواق فلمنج و باكوس في إسكندرية ..
و أدغال أسواق مراكز قروية كتير في البحيرة ..
و أصبح عندي من المهارة بفضل الله ما يكفي إني أفهم معاناة الراجل سواق التاكسي اللادا المتهالك اللي واقف في الشارع و بدأت الرغاوي تتكون علي جانبي فمه و العروق بارزة في رقبته .. و هو مركز مع الأستاذة اللي سايقة العربية قدامه .
…
إحساسه ده .. هو نفس الإحساس اللي صاحبني كتير فأى موقف كنت فيه باحاول أرشد حد إنه يعمل شيء ما هو بالنسبة ليا قمة في السهولة و البساطة ..
و لكنه بالنسبة له .. صعب جداً .. يصيبه بالهلع و الإرتباك ..
..
لما كنت باشرح برمجة لأشخاص ماعندهومش أى خلفية عن الكمبيوتر ..
لما كنت باشرح جرافيكس لأشخاص إتحرموا من حصة الرسم في إبتدائي .. و كانوا بياخدوا مكانها تعويض لحصة الدراسات الإجتماعية .
..
و حالياً .. لما بالاقي إني عندي أفكار كتير عايز أشرحها بخصوص أدوات الذكاء الإصطناعي و Chatgpt .. و لكن لازم أرجع لنقطة البداية خالص .. عشان أقدر أشرح حاجة زي كده إزاي حاتغير ثقافة التعليم بالكامل للأجيال القادمة .
…
…
فجأة سمعت صوت الشخص اللي كنت باتصل بيه ..
ألقيت عليه التحية المُعتادة حالياً اللي لازم تتقال قبل السلام عليكم ..
” سامعني ؟ ” .. رد عليا هو بنفس التحية .. ” سامعني ؟ .. أيوا أنا سامعك ” .
رديت عليه التحية .. ” أنا سامعك ” .
و بعدين نسينا نقول ” السلام عليكم ” و بدأنا في الحوار مباشرة .
…
علي ما إنتهينا من المكالمة .. و قدرت بالعافية بفضل الله أنزل من علي سور البلكونة بسلام …
و أسيب الستارة اللي كنت متشعلق فيها ..
كان الناس بدأوا يسندوا الراجل سواق التاكسي اللادا المتهالك .. بعد ما يبدو إنه فقد النظر في أحد عينيه .. و بدأ الدم ينزف من مناخيره .. و هو ما زال بيكرر بصوت متهالك ..
” خُش حتجيبك ”
” خُش .. حتجيبك ”
” خُش .. حت … جي …ب …ك ” .
…
و بفضل الله .. الست اللي كانت سايقة العربية قدرت إنها تعدي بين العربيتين اللي كانوا زانقين الشارع ..
و بمجرد ما عدت .. كانت هي كمان أنهت المكالمة تقريباً .. فرجعت الموبايل اللي كانت ماسكاه فإيدها و دخلته جوة الطرحة تاني ..
و دخلت إيدها التانية اللي كانت مطلعاها من الشباك بعد ما لاحظت إنها سايبة الدريكسيون بقالها كتير ..
…
…
و دخلت أوضتي .. و أنا سرحان في أفكاري عن الراجل سواق التاكسي اللادا المتهالك ..
و قد إيه هو كان ظالم في النظرة اللي ألقاها بعين واحدة لسة قادر يشوف بيها للست اللي سايقة العربية .. و دمعة وحيدة نازلة من عينه التانية ..
بعد ما كان فقد القدرة علي تحريك باقي أعضاء جسمه ..
..
ببساطة .. ( اللي عالشط عوام ) .. و ( اللي إيده في المياة مش زي اللي إيده في النار ) ..
هو يقدر ينظّر علي الست اللي سايقة و يقعد يلعنها في سرّه .. لأنه مش هو اللي سايق ..
…
…
صح ؟