ليه صعب يكون في ( يوميات مهندس في الأرياف )
هل ينفع عمل مسلسل عن ( يوميات مهندس في الأرياف ؟! ) .
ليه صعب يكون في ( يوميات مهندس في الأرياف ) ؟! . … فاكر كويس جداً فأحد كتابات دكتور ( أحمد خالد توفيق ) رحمة الله عليه , لما كان بيتكلم عن العلاقة الوطيدة بين الطب و الأدب في مصر خصوصاً , و في العالم عموماً . و إن كتير من الأدباء و كتاب القصص المشهورين , هم في الأصل أطباء و دكاترة , و كتير منهم بيمارس المهنة ( كطبيب ) , أثناء ممارسته للأدب و كتابة الروايات في نفس الوقت . … أنا لسة مخلص مسلسل ( بالطو ) حالاً , طبعاً باشجع كل اللي إشتغلوا في العمل ده , و إشتغلوا عليه .. بصيص من النور لما يكون في مسلسل نضيف و ينفع الواحد يتفرج عليه , بدون ما يكون 99% من محتواه هزلي أو سخيف أو جنسي أو ما شابه . … لكن ماقدرتش أمنع نفسي من التفكير في السؤال : هل ينفع عمل مسلسل عن ( يوميات مهندس في الأرياف ؟! ) .
شلة أصدقائي المقربين ( اللي بنقعد مع بعض مرة كل أسبوع أو أسبوعين تقريباً ) بتحتوي من المهندسين علي عدد :
- 2 مهندس مدني
- 2 مهندس ميكانيكا ( واحد غارق لأعماق أذنيه في الميكانيكا , و الآخر تخصص مبيعات منذ التخرج ) .
- 1 مهندس حاسبات و معلومات في المصرية للإتصالات .
- 1 مهندس إتصالات و إلكترونيات ( اللي هو العبد لله )
- 1 مهندس ميكانيكا و عمل كارير شيفت من قبل التخرج لمجال هندسة الكمبيوتر و البرمجيات قواعد البيانات .
و كلهم دفعة 2007 , ما عدا أنا دفعة 2010 . لك أن تتخيل كم القصص و الحكايات و التفاصيل اللي ممكن تسمعها في قعدة بتحتوي علي العدد ده من المهندسين .
بمجرد ما خلصت جيش سنة 2014 أساساً , و أنا مستمر في الإلحاح عليهم إن لو سجلنا القعدات دي علي هيئة ( بودكاست ) أو فيديوهات .. و نزلناها بشكل دوري .. كانت حتبقي أحلي سبوبة 😅 . …
لكن بشكل عام لو راقبت الطريقة اللي بيحكي بيها أى مهندس عن قصة ما في شغله أو حياته .. حتبدأ تفهم ليه صعب جداً إن يكون في مسلسل أو رواية يكتبها مهندس عن الهندسة .
من اللحظة الأولي فأول محاضرة في إعدادي هندسة سنة 2006 .. و أنا فاكر إزاي تم تدريب عقلنا علي التفكير . كانت محاضرة ميكانيكا , و كان المدرج فيه أزيد من 1500 طالب تقريباً .. و الدكتور دخل .. رسم شوية رسومات علي السبورة .. و بدأ يشرح بكل تفصيل كيفية حساب محصلات القوي الميكانيكية و معادلات المتجهات .
قبل دخولي كلية هندسة , و علي مدار سنين ثانوي عام و إعدادي و إبتدائي .. و أنا كنت باحلم بدخول كلية الهندسة عشان أعيش في العالم اللي باعشقه و مهتم بيه . كل ملازم ثانوي بتاعتي كانت مليانة رسومات لعربيات مستقبلية و تصميمات تخيلية لعربيات و طيارات 😅 .
لكن ماكنش فأى رسمة من الرسومات دي أى حسابات لحاجات زي :
- قوي مقاومة الهواء لأجنحة الطيارات دي .
- نوع السبيكة اللي حيتعمل منها جسم العربية اللي أنا راسمها عشان يستحمل درجات الحرارة الناتجة عن الإحتكاك بالهوا .
- كيفية توزيع الأحمال و القوي علي عجل العربية .
- كفاءة إحتراق البنزين اللي حيتم إستخدامه فمحرك الإحتراق الداخلي, و نوع السبيكة اللي حيتعمل منها التانك , و تفاصيل دوائر المايكروكونترولر اللي بيتحكم في قرايات مؤشرات الإحتراق و إظهارها علي الداشبورد .
- و آلاف و آلاف و آلاف من التفاصيل اللي تملي مجلدات .
بعد إعدادي هندسة , مافتكرش إني رسمت أى عربية تاني خلاص 🥹🥲 . بقي كل مرة أشوف ورقة بيضاء .. و أحس إني عايز أرسم عربية .. ألاقي نفسي بافكر فكل التفاصيل اللي فوق دي .. و أحس إني حابقي باهري عالفاضي لو قعدت قضيت شوية وقت فعمل تصميم مالوش أى حسابات أو مش مبني علي أى بيانات حقيقية .
ببساطة , التفكير الرومانسي الحالم بيموت أول ما بيقابل التفاصيل الواقعية المبنية علي أرقام و بيانات . …
أنا كلامي ده كله مش كلام تعميم إطلاقاً , أنا ماعنديش البيانات و الإحصائيات الكفاية اللي تخليني أكتب بوست يشرح حال كل المهندسين . و لكن كلامي ده يخص وجهة نظري فقط … بناءاً علي تجاربي الخاصة و حياتي و المعلومات اللي عندي و بس .
و دي هي نفس الطريقة اللي بالاقي إني بافكر بيها , و بالاقي إن معظم المهندسين أصدقائي بيفكروا بيها .
المنطق أولاً , و المنطق ثانياً .. و المنطق أخيراً .. و بين كل خطوة و خطوة .. نراجع الكتب و البيانات و الداتا شيت .. و نتأكد إننا مش بنشوف حاجة جديدة 😁
المهندس اللي شغال في شيء ما .. أياً كان مجاله ( مدني , ميكانيكا , كهربا , … ) مش عايز يشوف جديد … .إطلاقاً .. مش عايز مفاجئات من أى نوع 😆 إحنا والله العظيم في الإمتحانات كنا بنجمع 2 +3 علي الآلة الحاسبة .. و نستني نشوف النتيجة تطلع (5 ) زي ما شاكين .. قبل ما نكتبها 😆😂..
السبب هو إننا تم تدريب كل جزء فعقلنا علي ال ( worst case scenario - يعني أسوء السيناريوهات المحتملة ) . مافيش مهندس مدني بيتقي الله يعني حيصمم أو ينفذ تصميم لمبني إلا لما يكون حاسب أقصي حمل متوقع للمبني ده .. و لكل طابق فيه .. و بعدين ينفذ بناءاً علي ده . و بعد ما بيصمم و ينفذ .. بيتأكد إنه بيسلم المبني و هو معاه توضيح كامل لمعاييره و إخلاء مسئولية لو أى حد إتصرف في غير المعايير الموضحه . …
البناء القصصي بشكل عام .. مختلف بالكامل عن طريقة التفكير الهندسي دي .. البناء القصصي بيعتمد بشكل أساسي علي ( رومانسية الفكر ) .. رومانسية هنا مش مقصود بيها الحب و المشاعر .. لا .. رومانسية هنا مقصود بيها ( إن يكون في فراغ متروك للخيال و الحلم و المجهول ) . يعني لو حناخد مسلسل ( بالطو ) كمثال :
لو اللي بيكتبه مهندس .. لازم حيلاقي نفسه بيفكر و يوضح التالي :
- مين هاجر ؟… إسمها بالكامل إيه ؟ .. هواياتها إيه ؟ .. أهلها مين و بيشتغلوا إيه ؟ . و سبب الأسئلة السريعة دي هي : إن هاجر هي ال( heroine - بطلة المسلسل الأنثي يعني ) .
أسئلة تانية زي : دكتور سمير .. خلفيته الثقافية إيه ؟ , شهادته من أنهي جامعة ؟ , تاريخه الوظيفي ؟ , .. أهله ؟ .. و السبب في الأسئلة دي هي : إن سمير هو ال (villain - شرير القصة يعني ) .
و أسئلة كتير و كتير تانية .. و بعد كده .. أثناء نسج أحداث القصة , حنلاقي إننا بنربط كل الإجابات دي ببعضها فنسيج لازم ينطبق عليه معايير ال ( worst case scenario -يعني أسوء السيناريوهات المحتملة ) . يعني : لازم القصة مايبقاش فيها مشكلة تتحل غير بالطريقة اللي إحنا عايزينها تتحل بيها عشان السياق الدرامي .. يعني لو في إحتمال إن أحد مشاكل القصة ( زي موضوع ختم النسر اللي إتسرق ده ) ممكن تتحل بمجرد ما نتسائل عن ( هي فين كاميرات المراقبة ؟ ) .. أو ( فين سركي القرارات اللي بيتم تسجيله في المديرية ؟ ) .
( سركي القرارات ده يعني : كل قرار مقرون بختم نسر ” أو أى قرار مهم عموماً ” ليه رقم مسلسل , و بيتم مراجعة تسلسل الأرقام دي من أكتر من جهة لحد ما بيوصل لحد الوزير ) .
لو أى مشكلة درامية بقي ليها حل من الحلول دي .. لازم يتم توضيح ده في القصة , و إلا المشكلة من ذاتها مش حيكون ليها وجود . … … ببساطة , و مرة تانية للتلخيص .. عقل المهندس ماينفعش فيه وجود لحاجة زي : ( ماعرفش ) .
حتي الحاجات اللي المهندس فعلاً ( مايعرفهاش) .. بيحطها بين قوسين .. و يسميها أى إسم ( سين , صاد , إكس , واي ) .. و يعرفها بإستخدام متغيرات حواليها ..
يعني مش كل مهندسين ميكانيكا العربيات عارفين شريحة ال(plc ) اللي بتشغل الكمبيوتر بتاع العربية تفاصيلها إيه .. بس هو عارف بيدخل لها إيه .. و بيطلع منها إيه .. .و شكراً .. أنا مش تخصصي أعرف جواها إيه … لكن لو اللي داخل لها ماختلفش .. و اللي طالع منها إختلف .. يبقي هي المشكلة فيها .. يبقي نفكها و نغيرها .
و بالتالي مافيش ( رومانسية ) في ( يا تري يا هل تري شريحة الplc دي جواها إيه ) .. لا .. و بنسبة كبيرة جداً إحنا بنعامل البشر بنفس الطريقة ..
أنا مايخصنيش إنت جوة دماغك إيه .. أنا يخصني إنت ال (input - مدخلاتك ) و ال ( output - مخرجاتك ) إيه .. و بناءاً عليه بيتم توضيح معايير العملية . و بانسي بالكامل إنت جوة دماغك ده فيه إيه .. لحد ما أحتاج إني فعلاً اعدل فيه .. و في الحالة دي بنبدأ ناخد كورس neuroscience مثلاً .. أو سايكولوجي .. أو أى شهادة حنحتاجها عشان نعرف نفك مسامير الدماغ إزاي و نعمل ( troubleshoot ) للإيرور اللي بيطلع منها .
أو بنوديها الصيانة أو التوكيل تتغير هناك 😆😂 . … …
للأسف .. لو فيوم من الأيام في مهندس قدر يكمل و يكتب رواية حقيقية عن معاناة المهندسين في الحياة عموماً .. مش الأرياف بس ..
المسلسل حينجح نجاح ساحق بين المهندسين فقط .. و حنتفرج عليه في صمت و إحنا عينينا مليانة كلام كتير مش عارفين نطلعه .. لأن عشان نطلعه حنحتاج نشرح المعايير اللي قصصنا مبنية عليها .. و الكلام في الموضوع ده كبير و يطول شرحه